. .
...
الأربعاء 26 سبتمبر 2018 راسلنا | القائمة البريدية | سجل الزوار | خريطة الموقع


جديد المقالات
جديد الأخبار
جديد الفيديو


جديد الصوتيات

تغذيات RSS

المتواجدون الآن


Propellerads
المقالات
مكتبة مقالات د. أحمد الياس حسين
حول فهمنا ودراستنا لدخول الاسلام في السودان 1
...
حول فهمنا ودراستنا لدخول الاسلام في السودان 1
06-22-2018 09:07



حول فهمنا ودراستنا لدخول الاسلام في السودان 1
أحمد الياس حسين
[email protected]

نتوقف قليلاً عن الكتابة في موضوعات تاريخ غرب السودان القديم لتناول موضوع مهم تعرضنا لمناقشته مع بعض الاخوان ورأيت ضرورة عرضه بصورة عامة للمزيد من النقاش، هذا الموضوع هو "دخول الاسلام في السودان" فتناولنا لهذا الموضوع ودراستنا له تتطلب ضرورة المراجعة.

فأهم المحاور أو الأحداث التي تتأسس عليها دراسة تاريخ الاسلام في السودان يمكن تناولها في الآتي: 1/ هجرة العرب للسودان قبل الاسلام 2/ معاهدة البقط 3/ اشتغال المسلمين بالتعدين في أراضي البجة 4/ انتشار قبيلة جهينة في السودان 5/ مسألة الوراثة عن طريق الأم 6/ سقوط مملكة مقرة 7/ الحلف السناري العبدلابي وقيام دولة الفونج 8/ قيام مملكة دارفور. وسنسلط بعض الضوء على هذه الأحداث، ونعلق على مأخذنا على المنهج الذي نتبعه في دراسة هذه الأحداث متل:

إعتمادنا الكلي على الروايات الشفاهية أو على مصادر مجروحة، غير ذات مصداقية، وحتى الأحدلث التي تعتمد عبى مصادر وموثقة استخدنت بطريقة تخدم القضايا المطروحة بغض النظر عن المصداقية.

تغييب الكثير من أحدلث تاريخ السودان بين القرنين 7 – 15 م

فصل تاريخ السودان بمحوري في غاية الأهمية وينبغي دراسة دورهما في تارسخ السودان بين القرنية 7 – 15 م وهما المحور الشرقي (محور اثيوبيا) والمحور الغربي (محور تشاد)

وأرى ضرورة عرض هذه الموضوعات للنقاش ااتعرف على مصادر معرفتنا بهذه الموضوعات ذات الأثر الكبير على تاريخنا القومي، هل معرفتنا بتاريخنا القومي تأسست على معلومات موثقة ومصادر أصلية أم اعتمدت على روايات وأحداث غير موثقة وغير متفق على مصداقيتها؟ وهل معرفتنا فيما يتعلق بالمحاور المذورة أعلاه مستندة على معلومات موثقة وروايات متفق عليها، أم هي روايات وجدت قيوىً وتناغماً مع أفكار ورغبات بعض شرائح المجتمع فسادت وشكلت جانباً كبيراً من تاريخنا القومي؟ سنتعرض لذلك بإيجاز فيما يلي للمزيد من المناقشة.



هجرة العرب للسودان قبل الاسلام

المرجع الرئيس في المعلومات المتداولة عن هجرة العرب قبل الاسلام إلى السودان هو ما تردد في بعض المصادر العربية واليونانية عن دخول العرب افريقيا قبل الاسلام، إلى جانب الروايات المحلية الشفهية، وقد نقلت ذلك المولفات الغربية المبكرة مثل كتابات ماكمايكل وبول ثم ترددت في المؤلفات السودانية اللاحقة.

مفهوم كلمة عرب في المصادر القديمة



يقول الدكتور جواد علي[حقل].( المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام، ج 1 صفحات 12 و14 و18 ) جاءت أول إشارة إلى العرب فى الكتابات الأشورية في نص يعود إلى منتصف القرن التاسع ق.م.، وقصد بلفظ عرب في النص الأعراب أي البدو. وقد وردت كلمة عرب في التوراة وفي اللغة العبرية وفي لغات سامية أخرى بمعنى "البداوة والجفاف والفقر ... فلفظ عرب في تلك اللغات المتقاربة يعني البداوة وحياة البادية"

وأول ذكر للعرب في الكتابات اليونانية أتى في منتصف القرن الخامس ق.م. كجنود في جيش الملك[حقل] الفارسي Xerxus، و تحدث هيرودوت[حقل] عن العرب وبلادهم الممتدة من جزيرة العرب إلى البوادي والمناطق الواقعة إلى الشرق من نهر النيل[حقل]. وذكر سترابو وبليني[حقل] (القرن الأول الميلادي) أن العرب تكاثروا على أيامهما في مصر[حقل] ما بين النيل[حقل] و البحر الأحمر[حقل]. (السيد عبد العزيز سالم[حقل]، تاريخ العرب قبل الاسلام ج 1 ص 22 – 23)

فاليونانيون قبل عصر الاسكندر الأكبر في القرن الرابع قبل الميلاد كانت معلوماتهم واهية جدّاً عن شعوب البحر الأحمر والحدود بين قارتي آسيا وافريقيا. ورغم أن صورة البحر الأحمر قد بدأت تتضح في إذهان اليونانيين منذ عسر هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد وفي عصر اراتوثينس - الذي كان أميناً لمكتبة الاسكندرية - في القرن الثالث قبل الميلاد - إلا أن كلاهما اعتبر نهر النيل حتى صعيد مصر حدّاَ فاصلاً بين قارتي آسيا وافريقيا (Pierce, P 139) . فعندما أطلق هيرودوت مثلاً على سلسلة جبال البحر الأحمر المصرية "سلسلة الجبال العربية" (Herodotus, p 50) قصد بذلك سواحل البحر الأحمر الغربية. كما أطلق بيون في القرن الثالث قبل الميلاد -كما نقل بلايني (التاريخ الطبيعي ص 74) - على ضفة النيل الشرقة في منطقة أسوان الضفة العربية. ونقل ماكمابكل نصاً عن بليني يقول "إن المصريين عرباً، أما عن جيرانهم في الجنوب بين أسوان ومرويعهم ليسوا اثيوبيون بل عرب" (MacMichael, Vol. 1 p 4)

فسكان صحراء مصر[حقل] الشرقية في مفهوم الكتاب اليونانيين يراد بهم البدو اللذين كانوا منتشرين في تلك المناطق التابعة لبلاد العرب في قارة أسيا التي تمتد حدودها غرباً حتى نهر النيل، فهم امتداد جغرافي للبدو في شمال الجزيرة العربية ولذلك أطلقوا عليهم لفظ عرب لاعتقادهم أنهم إمتداد لسكان شبه الجزيرة العربية.

وقد استند محمد صالح[حقل] ضرار (تاريخ شرق السودان[حقل] ، ج 1 ص 34)[حقل] في رأيه الذي يجعل البجة[حقل] عربا على ما نقل عن سترابو[حقل] من "أن العرب كانوا يسكنون الطرف الغربي من البحر الأحمر[حقل] مابين مصر[حقل] و الحبشة" وأن البجة تكونوا نتيجة لمثل تلك الهجرات العربية . ومن الواضح أن ضرار[حقل] بنى حكماً على فرضية أن العرب في النص مقصود بهم الجنس العربي. وفي بعض الأحيان يريط بعض المؤرخين بين هجرات العرب قبل الاسلام وبين دخول العرب لوادي النيل، ومن أمثلة ذلك ما ذكره أحمد الحفناوي حيث قال:

"في الألفي سنة قبل الميلاد هاجرت جماعات عربية من جنوب غربي الجزيرة[حقل] العربية[حقل] إلى الحبشة[حقل]، وبلغت هذه الهجرات أقصاها في عهد دولتي معين وسبأ، وحمل المعينيون والسبئيون لواء التجارة في البحر الأحمر[حقل] ووصلوا في توغلهم غربا إلى وادي النيل[حقل] ... ولحق بهم عدد من أقاربهم وأهليهم." (أحمد الحفناوي[حقل]، سودان وادي النيل[حقل] في ظل الاسلام ص 46)

الجزء الأول من النص "هجرة عرب الجنوب إلى الحبشة[حقل]" تؤكده الكثير من الأدلة الأثرية حيث ورد في الآثار اليمنية والحبشية ما يؤكد تلك الصلات، كما يؤكد تلك الصلات اللغوية بين الجانبين. ومن الثابت أيضاً في التاريخ نشاط عرب الجنوب التجاري مع سواحل الحبشة سواء تم ذلك عبر البحر الأحمر[حقل] أو المحيط الهندي[حقل].

ولكن ما يصعب أثباته هو الجزء الأخير من النص المتعلق المتعلق بوادي النيل الذي يقول: "ووصلوا في توغلهم غربا إلى وادي النيل[حقل] ... ولحق بهم عدد من أقاربهم وأهليهم."[حقل].ومثل هذا النص يتكرر كثيرا في المؤلفات الحديثة ويأتي في أغلب الأحيان في سياق عام وبدون مصدر كما ورد هنا، أو تأتي الإحالة إلى مرجع آخر حديث ويفتقر بالتالي إلي مصدر لتوثيق الخبر. وحتى مايرد منها مذيلا بمصدر لا تُؤكد الإحالة المشار إليها الموضوع المطروح تأكيداً يسند مصداقيته، بل تكون الإحالة قابلة إلى الكثير من التأويلات التي لا يُشارإليها، كالاحتجاج بهجرات العرب الى صحراء مصر[حقل] الشرقية ووادي النيل بما ذكره سترابو[حقل] من تكاثر العرب في تلك المناطق. وينبغي علينا فهم المصطلحات في سياقها التاريخي لكي لا نبني أحكامنا على أسس غير سليمة.

صلات اليمن بافريقيا في المصادر العربية

أوردت المصادر العربية كثيراً من أخبار حروب ملوك اليمن وتوسعاتهم الكبيرة قبل الاسلام والتي امتدت – كما في رواياتهم - بين الصين وبلاد المغرب في شمال افريقيا. وتركزت أخبار حروبهم في افريقيا على مناطق الشمال الافريقي. وقد تناول ماكمايكل بعض أخبار تلك الحروب استناداً على ما ورد في المصادر العربية وربط بعضها بالسودان.

يقول ماكمابكل (Vol. 1 p 3) أن صلات مصر والسودان بالعنصر العربي تمت منذ أمد طويل قبل الإسلام، فقد انتعشت التجارة منذ عصور موغلة في القدم بين شبه الجزيرة العربية وموانىء مصر والسودان والحبشة. وهذا كلام عام يفتقد المصدر والمصداقية. فمصر طيلة عصر تاريخها الفرعوني لم توسس ميناء دائم على البحر الأحمر جنوب خليج السويس.

وقد ذكر سليم حسن (مصر القديمة ج 2 ص 258 - 266) أن علاقات المصريين توثقت بجزر البحر المتوسط وسواحل الشام منذ بداية عصر الأسر حتى إنهم كانوا يعتمدون اعتماداً أساسيّاً منذ بداية تاريخهم على خشب لبنان لبناء السفن والقصور الملكية ... وأن قرائن الأحوال تدل أن المصريين لم يركبوا البحر الأحمر إلا نادراً إذ كان معظم سياحتهم في البحر المتوسط."

وقد تناولت كتب التاريخ صلات مصر القديمة ببلاد بنت عبر البحر الأحمر جنوباً منذ عصر الأسرات المبكرة. وبلاد بنت مصطلح واسع شمل المناطق الواقعة جنوب البحر الأحمر وأعالي النيل الأزرق، ويرى البعض أنها تمتد حتى مناطق غرب النيل. وكانت بلاد بُنت تمثل -كما يقول بدج- في عصر الدولة المصرية الحديثة (بين القرنين 16 - 11 ق م) إحدى مديريات السودان الثلاث: واوات وكوش وبنت حيث كانت الضرائب ترسل إلى ملوك الدولة المصرية الحديثة من هذه المديريات. (Budge, The Egyptian Sudan Vol. 1 p 572 - 573) كما أطلِقت بلاد بني على المناطق التي وصل إليها حرخوف في رحلته المشهورة جنوب وغرب منطقة وادي حلفا في آخر عصر الأسرة السادسة في القرن 23 ق م. (سليم حسن، تاريخ السودان المقارن ص 29 و كذلك Budge, Vol. 1 p 138, 523)

غير أن قرائن الأحوال لا تؤيد صلات المصريين المبكرة ببلاد بنت عبر البحر الأحمر بل تمت تلك الصلات عن طريق النبل جنوباً كما ورد في أخبار الملك أسسي الملك قبل الأخير من ملوك الأسرة الخامسة في الألف الخامس والعشرين قبل الميلاد. فقد ورد في عصر هذا الملك أن أحد رجاله ويدعى باور جدي قد أحضر له قزماً من بلاد بُنت أرض الأرواح. ويتضح مما ذكره عبد العزيز صالح (الشرق الأدنى القديم الجزء الأول مصروالعراق ج 1 ص 152) أن باور جدي أحضر القزم من أسواق بلاد يام.

وفي عصر الأسرة الأسرة الحادية عشرة (القرن 21 ق م) كما ذكر عبد العزيز صالح بدأ المصريون محاولات الملاحة في البحر الأحمر من جنوب خليج السويس وكان لا بد لهم من عبور الصحراء من مدينة طيبة عاصمة الدولة على النيل (منطقة الأقصر الحالية) إلى البحر الأحمر. ويبدو أن ذلك لم يكن بالأمر السهل فقد كانت الصحراء الشرقية خارج حدود السلطة المصرية. ولم تكن للدولة سلطة حتى على المناطق الصحراوية القريبة من النيل. فخرجت بعثة من منطقة الأقصر الحالية مكونة من ثلاثة ألف رجل مدنيين وعسكريين.

ونقل عبد العزيز صالح (الشرق الأدنى القديم ص 174)ما دونه رئيس البعثة حيث ذكر أن البعثة كانت تهدف إلى تأكيد الأمن في المسالك المؤدية إلى البحر الأحمر ... ثم الاشراف على إنزال سفن [رمز]جُبيلية[رمز] في البحر. وقد ورد وصف السفن في النص بأنها [رمز]جُبيلية[رمز] لأن المصريين كانوا يأتون يأتون بالأخشاب لبناي السفن من مدينة جبيل في لبنان. وكانت السفن تفكك من على النيل وتحمل عبر الصحراء إلى البحر الأحمر، ويعاد تركيبها وانزالها البحر وبعد عودتها من الرحلة يعاد تفكيكها وحملها إلى النيل حيث يعاد تركيبها مرة أخرى.

ويذكر (سليم حسن مصر القديمة ص 263) أن " القوافل تقطع المسافة إلى البحر الأحمر في مدة أربعة أيام من قفط [في منطقة الأصر الحالية] سالكة طريقًا وعرًا لا ماء فيه، شمسه محرقة، وفي النهاية يصل الإنسان إلى ساحل قاحل لا سكان فيه ولا حياة، ومن أجل ذلك كان أول هم للبعثة أن تحمل معها كل المعدات لبناء السفينة أو السفن التي كانت تقلع إلى بلاد بُنت، إذ لم يكن هناك مرفأ للسفن مهيئًا كما كان الحال عند مصبات النيل على البحر الأبيض المتوسط حيث المدن العظيمة، ولذلك كانت كل بعثة تريد الإبحار إلى بلاد بنت تبتدئ بتجهيز المعدات من جديد، فكانت تحضر معها المواد الغذائية والماء بمقادير عظيمة"



وشهدت صلات المصريين بالبحر الأحمر نحو الجنوب نوعاً من التطور في عصر الدولة الحديثة (بين القرنين 16 - 11 ق م). ولدينا أخبار عن رحلتين بحريتين في عصر هذه الدولة إلى بلاد بنت. الأولى هي الرحلة المشهورة التي تمت في عهد الملكة حتشبسوت في الأسرة الثامنة عشر (القرن 15 ق م) ووضح برستد طريق بعثة حتسبسوت، فذكر أنها بدأت من مدينة طيبة وأبحرت في النيل شمالاً حتى وصلت وادي Tumilat في منطقة الدلتا، وكان الوادي يتصل بقناة عبر أحد فروع دلتا النيل الشرقية بالبحر الأحمر. ثم ابحرت البعثة في البحر الأحمر جنوباً حتى بلاد بنت. وذكر برستد أن هذا الطريق (طيبة عبر النيل شمالاً إلى الدلتا فالبحر الأحمر) كان مستخدماً في عصر الأسرتين الحادية عشر والثانية عشر في القرنين 21 - 18 ق م Breasted, Ancient Egypt. P 276))



وأخبار رحلات البحر الأحمر الثانية أتت من عصر الملك رمسيس الثالث في الأسرة العشرين (القرن 12 ق م). وذكر برستد أن طريق الدلتا وادي Tumilat فالبحر الأحمر لم يعد في هذا العصر مستخدماً. ويبدو أن أكثر من رحلة واحدة قد حدثت في عهده. وذكر بدج ( The Egyptian Sudan Vol. 1 p 642) أن السفن نقلت إلى منطقة جبلية بالقرب من القصير على البحر ألحمر شمال منطقة حلايب الحالية وأبحرت جنوباً حيث وصلت إلى بلد يقع على الساحل الافريقي جنوب البحر الأحمر يسمى Neter-taui وعادت محملة بالبضائع المطلوبة وفرغت السفن حمولتها من البضائع في ميناء مقابل لمنطقة طيبة - لم يذكر برستد اسمه - ثم رحلت بالحمير إلى النيل.Breasted, p 485)) ولم ترد أخبار رحلات أخرى إلى بلاد بنت عبر البحر الأحمر حتى نهاية عصر الدولة الحديثة في القرن 11 ق م.



وفي القرن السابع قبل الميلاد حاول ملوك الأسرة السادسة والعشرين حاول المصريون استعادة نفوذهم السياسي غير أنهم اصطدموا بالبابليين والأشوريين. وذكر هيرودوتس أن الملك نيكاو الثاني أو (نخاو) خلال حكم هذه الأسرة أعد أسطولً صغيراً للقيام بدورة ملاحية حول افريقيا. أبحر الأسطول في البحر الأحمر لكشف سواحل افريقيا، وبه عدد من الملاحين الفيفنقيين. (أحمد فخري، مصر الفرعونية، ص 425) وعاد الأسطول بعد ثلاث سنوات عن طريق جبل طارق محملاً بجميع خيرات افريقيا من الموانئ التي مر بها. وذكر مهران أن هيرودوت رفض تصديق ذلك. (محمد بيومي مهران، الحضارة المصرية القديمة ج 2 ص 227)



وبعد عصر الأسرة 26 فقد المصريون مرة أخرى السيادة على بلادهم ودخلت مصر في عصر الحكام الأجانب من فرس ويونانيين (بطالمة) ورومان وبيزنطيين ثم العرب وغيرهم من الشراكسة والمماليك ثم الأتراك العثمانيين حتى عصر عبد الناصر. وبدأ نشاط الملاحة في البحر الحمر على يد الحكام الأجانب لمصر منذ القرن الثالث قبل الميلاد. فأسس البطالمة الموانىء الدائمة على البحى الأحمر ومن أشهرها ميناء برينيق شمال منطقة حلايب وميناء أدولس (عدولية) في دولة ارتريا الحالية.



فعبارة ماكمايكل "أن صلات مصر والسودان بالعنصر العربي تمت منذ أمد طويل قبل الإسلام، فقد انتعشت التجارة منذ عصور موغلة في القدم بين شبه الجزيرة العربية وموانىء مصر والسودان والحبشة" ليس لها سند تاريخي إذ لم تكن هنالك ملاحة بحرية منتظمة وتجارة أو سفن موجودة بصورة دائمة للمصريين جنوب خليج السويس لعدم وجود ميناء دائم مجهز لخدمة الملاحة وصناعة أو صيانة السفن.



والأحداث التاريخية في البحر الأحمر ومصر والسودان مدونة في المصادر اليونانية والرومانية والمروية، ولم يرد في تلك المصادر ما يوضح بوجود "صلات تجارية موغلة في القدم" أو هجرات عربية إلى السودان قبل عصر البطالمة. وعلى سبيل المثال تناولت المصادر اليونانية وصف سكان مناطق ما بين النيل والبحر الأحمر وأوردت أسماء عشرات القبائل لم يرد فيها إشارة ‘اى قبائل عربية في السودان.



ويرى ماكمايكل ( Vol. 1 p 7) أيضاً أن الصلات لم تقتصر على التجارة بل أسس القحطانيون أو الحميريون علاقات قوية بين العرب والحبشة، وكانوا يغيرون بصورة متكررة على النيل، كما ذكر أنه جاء في المصادر العربية "ان عبد شمس بن سبأ غزا مصر ، وربما حدث ذلك من الجنوب الشرقي في العهد النوبي، وأن أبرهة ذو المنار في القرن الثاني ق م غزا السودان وتوغل حتى المغرب." ولم أجد في المصادر العربية التي تناولت تلك الحروب غارات العرب على النيل من الحبشة أو غزو عبد شمس أو أبرهة للسودان . أنظر على سبيل المثال المقريزي(المواعظ والاعتبار، ج 1 ص 145 و148) وابن الأثير (الكامل في التاريخ، ج 1 ص 55)

ويواصل ماكمايكل ( Vol. 1 p 8) في تقديم آرائه التي لا تستند إلى مصدر يوضح من خلالها التأثير الخارجي على المجتمع السوداني ومساعدته في الانجازات الحضارية فيقول: "يبدو أن الحميريين أسسوا مستوطنات في النوبة" هكذا "يبدو" بدون أي مصدر يوضح أين ومتى تأسست تلك المستوطنات. ويواصل على نفس الوتيرة عن سكان مروي يقول (1/45) سكانها مزارعين محليين همجيين وعناصر وفدت من مصر أو من ليبيا ومجموعة في مدينة مروي متحضرة بالتأثير المصري واليزنطي والروماني وكذلك بعض التأثير الحميري من شبه الجزيرة العربية.

فماكمايكل رغم كتاباته الكثيرة والقيمة عن السودان يبدو أنه كان يحكمه في ذلك الوقت – بداية القرن 20 – المفهوم الاستعماري الذي يري أن الجنس الأسود غير مؤهل لتأسيس الحضارت، وأن أي إنجاز حضاري في افريقيا ينبغي البحث عن الأثر الخارجي عليه. وربما كان ذلك هو السبب الذي جعله يبحث في المصادر العربية وغيرها عن كل ما من شأنه دعم ذلك المفهوم .

ورغم ضعف الآراء التي ذهبت إلى أن المصادر العربية تناولت دخول العرب في السودان قبل الاسلام إلا أنه من المفيد أن نتوقف قليلاً للنظر في المنهج الذي اتبعته تلك المصادر في جمع مادتها ومدى مصداقيتها. يقول الطبري في مقدمة كتابه "تاريخ الرسل والملوك" في ذلك:

"وليعلم الناظر في كتابنا هذا أن اعتمادي في كل ما أحضرت ذكره فيه مما شرطت أني راسمه فيه إنما هو على ما رويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه، والآثار التي أنا مسندها إلى رواتها فيه دون ما أُدْرِك بحجج العقول، وأسْتَنبِط بفكر النفوس إلا اليسير القليل منه... فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قِبَلِنا وإنما أتي من قِبَل بعض ناقليه إلينا وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا."

ويكرر ياقوت الحموي نفس المعني في مقدمة كتابه معجم البلدان حيث قال: "واستقصيت لك الفوائد جلها أو كلها، وملّكتك عفواً صفواً عقدها وحلها، حتى لقد ذكرت أشياء كثيرة تأباها العقول، وتنفِر عنها طباع ممن له محصول، لبعدها عن العادات المألوفة، وتنافرها عن المشاهدات المعروفة

ونورد رأي ابن خلدون ( ج 1 ص 12)عن حروب ملوك اليمن وتوسعاتهم في قارتي آسيا وافريقيا حيث يقول "ومن الاخبار الواهية للمؤرخين ما ينقلونه كافة في أخبار التبابعة ملوك اليمن وجزيرة العرب، وأنهم كانوا يغزون من قراهم باليمن إلى أفريقية والبربر من بلاد المغرب." وعن حروب ملك اليمن ذو الاذعار يقول ابن خلدون (ج 1 ص 12):

"أغزى ثلاثة من بنيه بلاد فارس[حقل] وبلاد أمم الترك[حقل] وراء النهر، وقطع المفازة إلى الصين[حقل] ... ورجعوا جميعا بالغنائم وتركوا ببلاد الصين قبائل من حمير[حقل] فهم بها إلى هذا العهد ... وقيل: إن بعض التبابعة غزا مدينة رومية وأسكنها خلقاً من اليمن[حقل]، وإن ذا القرنين الذي هو الاسكندر[حقل] من أولئك العرب المتخلفين بهاوبلغ الثالث إلى قسطنطينية[حقل] فدرسها ودوخ بلاد الروم[حقل] ورجع.[حقل]"

وعلق ابن خلدون على ذلك قائلاً: "وهذه الاخبار كلها بعيدة عن الصحة عريقة في الوهم والغلط وأشبه بأحاديث القصص الموضوعة."

وتاريخ اليمن الجنوبي مدون في الآثار التي خلفتها ممالك اليمن ولا يوجد ما يشير في تلك الآثار إلى هذه التوسعات. وفي ذات الوقت لم يرد في آثار تلك المناطق التي ورد أن ملوك اليمن غزوها مثل الامبراطوريات الفارسية والصينة والرومانية الشرقية (الروم) أي إشارة لتلك الغزوات مما يؤكد عدم حدوثها على الاطلاق. وقد تناولنا كل ذلك بشيء من التفصيل في الفصل الثاني الجزء الأول من كتاب "السودان: الوعي بالذات وتأصيل الهوية.



وفي النهاية نشير إلى ما ورد عند بول (Paul, The Beja Tribes, p 64عن دخول العرب للسودان قبل الاسلام، وقد اعتمد بول على الروايات الشفهية المحلية حيث ذكر أنه يقال إن بعض الحميريين جاءوا قبل الاسلام من الشحر في جنوب شبه الجزيرة العربية واستقروا بين البجة في العتباي وجبال سنكات، وتزاوجوا مع البجة وأصبحوا العناصر المسيطرة لثقافتهم المتقدمة ولنظام الأمومة لأن ابن البنت أو ابن الأخت هو الذي يرث السمطة. وأشار بول إلى أن الأصول الحميرية للحداربة مؤكدة، لكنه لم يذكر مصدر هذا التأكيد. وذكر أنه بعد دخول الاسلام اعتنق هؤلاء المهاجرون الاسلام وأصبحوا يعرفون عند الكتاب العرب والرحالة الغربيين باسم الحدارب، وأن أصل الاسم حضارم نسبة إلى حضرموت.

وقد تناولت في الفصل السادس من الجزء الثالث من كتاب السودان الوعي بالذات وتأصيل الهوية، وأيضاً في الفصل الثالث من الجزء الرابع من كتاب السودان الوعي بالذات وتأصيل الهوية قبيلة الحداربة وأصولها البجاوية التي وضحتها الكثير من المصادر العربية، وليس كما ذكر بول "الأصول الحميرية "

ولذلك فإن ما تردد في بعض المراجع العربية وغيرها عن دخول العرب في السودان قبل الاسلام لا يستند على مصادر يحتج بها. وينبغي على من يتناول هذا الموضوع عدم الاعتماد على ماكمايكل أو عبد المجيد عابدين، وحثى عند رجوعه المصادر العربية ينبغي عليه التأكد من صدق الرواية التي ينقلها باستخدام قواعد "النقد التاريخي " لأن مؤلفي تلك المصادر ذكروا أنه ليس كل ما ورد فيها مقطوع بصحته. فدخول العرب في السودان قبل الاسلام أمر غير ثابت ولا مصدر إلا إذا ظهر خلاف ذلك.

المراجع

أحمد الحفناوي[حقل]، سودان وادي النيل[حقل] في ظل الإسلام القاهرة[حقل]: دار المعارف 1982

أحمد فخري، مصر الفرعونية. القاهرة: ط 2 الانجلو المصرية، 1960

ابن الأثير، الكامل عي التاريخ، موقع الوراق warraq.com

ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، موقع الوراق

بليني، التاريخ الطبيعي، في سامية بشير دفع الله، السودان في كتب اليونان والرومان. الخرطوم: جامعة السودان المفتوحة، 2008.

جواد علي[حقل]، المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام. العراق[حقل]: جامعة بغداد 1993.

سليم حسن، مصر القديمة ج 2 ط 1992

عبد اللعزيز صالح[حقل]، تاريخ الشرق الأدنى: مصر[حقل] والعراق، القاهرة[حقل]: مكتبة الأنجلو المصرية مكتبة الأنجلو المصرية، 1990

محمد بيومي مهران، الحضارة المصرية القديمة. الاسكندرية: دار المعرفة الجامعية 1989

محمد صالح[حقل] ضرار[حقل]، تاريخ شرق السودان[حقل]: ممالك البجة[حقل] قبائلها وتاريخها، القاهرة:[حقل] دار الاتحاد العربي للطباعة 1962.

المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، موقع الوراق

Breasted, J. H. Ancient Egypt from the Earliest Times to the Persian Conquest. 2nd. Ed. New York: 1945.

Budge, Walles (1907)The Egyptian Sudan its History and Monuments, London.

Herodotus, The History of Herodotus, Robert p. Gwinn Publishers 2nd ed. 1990

MacMichael, H. (1967). A History of the Arabs in the Sudan. London: Frank Cass & Co. Ltd.

Paul, A (1971) The Beja Tribes of the Sudan, London: Frank Cass & Co. Ltd.

Pierce, Richard Holton ,“Strabo and the Eastern Desert of Egypt and Sudan” in Eivind Heldas Seland. (ed). The Indian Ocean in the Ancient World: Definite Places, Trance local Exchange” Oxford: Archeopress




شارك بتعليقك على صحفتنا في تويتر
...

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 120
.
Propellerads

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 120


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google


د. أحمد الياس حسين
د. أحمد الياس حسين

تقييم
0.00/10 (0 صوت)