. .
...
الأربعاء 21 نوفمبر 2018 راسلنا | القائمة البريدية | سجل الزوار | خريطة الموقع


جديد المقالات
جديد الأخبار
جديد الفيديو


جديد الصوتيات

تغذيات RSS

المتواجدون الآن


Propellerads
المقالات
مكتبة مقالات د. أمل الكردفاني
الدين من تاريخانيته الغيبية إلى أفقه الثقافي
...
الدين من تاريخانيته الغيبية إلى أفقه الثقافي
08-14-2018 01:18



الدين من تاريخانيته الغيبية إلى أفقه الثقافي

د.أمل الكردفاني

أثارت تصريحات بابا الفاتيكان ضجة كبيرة جدا ؛ وكانت الصحف ووسائل الاعلام قد تداولت في مارس من هذا العام لقاء صحفيا مع مؤسس صحيفة لاريبوبليكا الايطالية والذي نفى فيه وجود جهنم وأن آدم وحواء مجرد أساطير ، بل مضى أكثر من ذلك معتبرا أن كل الأديان صحيحة.
بالتأكيد لم تزل تصريحات البابا غير مفهومة للكثير من المؤمنين المخلصين ، أولئك الذي قضوا اعمارهم وهم يحاولون تحقيق التوازن والتوافق النفسي والسلوكي بين الحياة الصالحة خوفا من الجحيم ، ونسبية القدرة البشرية على تحقيق الترضية الكاملة للضوابط المسيحية الصارمة.
آن هذا الشعور الملازم للأديان -وهو شعور مزمن بالذنب والخطيئة- تلاشى عبر تصريحات البابا ، لكن ذلك الأفق التاريخاني الغيبي شديد الصرامة لا زال يلقي بآثاره على عقولهم وقلوبهم ، وخطابه الذي كان أكبر من القفزة الأولى لبشري فوق القمر ما كان ليتم استيعابه والوعي بتقدميته كتأويل أكثر حداثوية او ربما حتى تجاوز للحداثة بقرون . فالبابا نقل الدين بشكل عام من ذلك البعد الميتافيزيقي المخيف والذي يمارس ضغوطا طقوسية وإيمانية على المؤمن الى مفهوم ثقافي واعد كحدائق الفاكهة. وبهذا الفهم الأكثر عمقا والأقل من أن يفهمه الكثيرون ، تحول الدين الى مانح للبشرية بدل أن كان سالبا لهم. يتحول الدين الى خطاب تحرري ، والى عطاء مستمر حينما يغدق من ينبوع الخير العام للبشرية. الجنة والنار وآدم وحواء ، تتحول الى رموز ودلالات ومفاهيم عابرة للفهم الكلاسيكي ثم تهبط وتستقر على المصلحة الانسانية جمعاء كمعيار أول وأخير يقاس عليه السلوك البشري وسلوك المنظومات الاجتماعية وسياسات الدول وتفاعلاتها وتطور الضمير الانساني ومواكبة الايمان لهذا التطور بحيث لا يتجافيان ولا يتعارضان ، فتندمج الحكاية الدينية بالحكاية الانسانية في عرى لا انفصام لها.
بالتأكيد هذا الخطاب الصادم للغالبية تلقاه اصحاب الأديان الأخرى بالسخرية ، فالإله الفرعوني ست والذي كان إله الشر والظلام والخوف لا زال يعبد حتى اليوم تحت مسميات مختلفة ، وكان المصريون القدامى يكثرون من التودد له أكثر من كل الآلهة الطيبة ، لأن الطيب لا يؤذي وأما ست فلا يؤمن جانبه.
هذه النظرة التي استمرت لآلاف السنين حتى يومنا هذا شكلت تصورات الانسان عن الدين بابعاده المختلفة. لكنها كلها كانت تصب في مصب واحد هو الخوف والشعور الرهيب والخانق والأبدي بالذنب ، فضلا عن الإحساس المتواصل بالمراقبة والمتابعة والتجسس ، وهذا ما جعل الدين نفسه سببا لحالة التناقض ما بين الايمان والسلوك. لم يؤدي الدين ما كان مرجوا منه كباعث للسلام النفسي بل على العكس لقد انقلب الى أكبر مسبب للقلق البشري ، وللصراع والحروب ، وخضع هو نفسه لجبروت فكرة المطلق والحتمية ، وأثار ذلك الجدل اللا نهائي حول حدود تدخل السماء في حرية أبناء الأرض وإرادتهم. لقد احدث انقسامات ، تم تأسيس اسبابها ودوافعها عبر تراث غاضب وواهن الحيوية مع الرغبة الانسانية الجارفة نحو التوحد في فكرة الخير العام والتعاون والتشارك بناء على المساواة واحترام الحرية الفردية.
كل تلك التصورات جعلت العالم يصرخ ضد البابا ، لأنهم كانوا كمن عاش في كهف أفلاطون ذو الظلال الشبحية التي تزيف الحقيقة ، فهم لا يستطيعون أبدا أن يتخيلوا ما بخارح الكهف. لكن لو عدنا الى التاريخ فسنجد أن هذه الصدمات التي تلقتها البشرية من أصحاب فضاء الوعي الأوسع لم تتوقف ، فهيباتيا وكوبرنيكوس وجاليليو وداروين وفرويد وماكس بلانك وانشتاين وغيرهم ، سبق وأن وضعوا البشرية أمام الحقيقة بكل برود ، فمنهم من قبل بالموت من أجل إنارة الظلام لها.
صحيح إن الإله ست لا زال رائج القوة موفور الحضور ، لكن هل يمكننا بالفعل أن ننكر تأثير تلك الخطوات التي بدأها اولئك النفر ممن راهنوا على مستقبل البشرية بحياتهم؟
بالتأكيد لا.....

شارك بتعليقك على صحفتنا في تويتر
...

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 55
.
Propellerads

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 55


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google


د. امل الكردفاني
د. امل الكردفاني

تقييم
0.00/10 (0 صوت)