. .
...
الإثنين 19 نوفمبر 2018 راسلنا | القائمة البريدية | سجل الزوار | خريطة الموقع


جديد المقالات
جديد الأخبار
جديد الفيديو


جديد الصوتيات

تغذيات RSS

المتواجدون الآن


Propellerads
المقالات
مكتبة مقالات د. أحمد الياس حسين
حول فهمنا ودراستنا لدخول الاسلام في السودان 9
...
حول فهمنا ودراستنا لدخول الاسلام في السودان 9
11-07-2018 10:26



حول فهمنا ودراستنا لدخول الاسلام في السودان 9

أحمد الياس حسين
[email protected]

المحور الشرقي: ودوره في انتشار الاسلام في السودان



العلاقات المبكرة للمسلمين عبر ميناءي عيذاب وسواكن

بدأنا في الحلقتين السابقتين الكتابة عن المحور الشرقي فتناولنا ساحل البحر الأحمر السوداني والارتري قبل ظهور الإسلام وتعرفنا على مشاركة هذه السواحل في حركة التجارة العالمية وصلتها القديمة بالجزيرة العربية. ثم تعرفنا على دور ميناءي دَهلَك وباضع في صلات المسلمين المبكرة بالساحل الافريقي، ونتابع هنا التعرف على صلات المسلمين المبكرة عبر ميناءي عيذاب وسواكن.

ميناء عيذاب

تأسس ميناء عيذاب في المنطقة الجنوبية لميناء برينيس (برينيق) وإلى الشمال قليلاً من موقع مدينة حلائب الحالية. ووصفها ابن بطوطة (ص 254) بأنها مدينة كبيرة كثيرة الحوت واللبن، ويحمل إليها الزرع والتمر من صعيد مصر. ويجلب أليها الماء العذب كما ذكر الحميري (ص 423) من على مسيرة يوم.

وكان البليميون - من أسلاف قبائل البجة – قد احتلوا ميناء برينيس في القرن الرابع الميلادي. فقد كانت مملكة البليميين – التي عرفت أيضاً بمملكة البجة - تشكل قوة فاعلة في المنطقة اعترفت السلطات البيزنطية في القرن السادس الميلادي بنفوذها في منطقة صعيد مصر والبحر الأحمر كما وضحنا ذلك في موضوعنا السابق. ويعني ذلك أن ميناء برينيس – التي تجاور الموقع الذي تأسس علية ميناء عيذاب - كان يقوم بدوره التجاري في المنطقة حتى دخول العرب مصر في القرن السابع الميلادي مما يرجح أن ميناء عيذاب واصل نشاط ميناء برينيس.

ولا تساعد المعلومات المتاحة في المصادر العربية على التعرف على العلاقات المبكرة بين مملكة البجة والخلافة الاسلامية في القرنين الهجريين الأول والثاني (السابع والثامن الميلاديين) ولذا فإنه ليس من السهل التعرف على وضع ميناء برينيس في تلك الفترة المبكرة. كما إنه ليس من السهل أيضا التعرف على الوقت الذي استقر فيه السلمون في الموقع الجديد جنوب موقع ميناء برينيس وقيام ميناء عيذاب، فالمعلومات عن هذه الفترة غير متوفرة.

ويبدو مقبولاً أن يكون الخلفاء الأمويون قد استولوا على هذه المنطقة في آخر القرن السابع أو أول القرن الثامن الميلادي عندما استولوا على ميناء دَهلَك، وبدأ نشاط الميناء الجديد – باسم ميناء عيذاب - الذي ورد ذكره لأول مرة في المصادر العربية في أحداث الحرب التي دارت بين مملكة البجة ووبين الخلافة العباسية عام 216 هـ / 831 م والتي انتهت بإتفاقية أمان وقعها القائد العباسي ابن الجهم مع عظيم البجة. وقد ضَمت الخلافة العباسية مملكة البجة بمقتضى هذه الاتفاقية إلى حدودها كما وضحنا في الموضوع السابق. وقد استخدم جيش المسلمين ميناء عيذاب في هذه المعركة مما يدل على أنها كانت تحت سيطرتهم.

وبدأت المعلومات عن عيذاب ترد في المصادر العربية مع بداية دخول العرب أرض المعدن في بلاد البجة بعد معركة عام 216 هـ / 831 م. فقد ذكر ابن حوقل (ج 1 ص 57) أن بداية دخول العرب أرض المعدن صادف " دخول محمد بن يوسف الحسنىّ الأخيضر اليمامة وانقشاع أهلها من جوره الى أرض مصر والمعدن في آلافٍ كثيرة فغلبوا على من كان بها من أهل الحجاز لسنتهم وفورهم وتكامل بالعلاقىّ قبائل ربيعة ومضر وهم جميع أهل اليمامة في سنة ثمان وثلثين ومائتين"

ووضح المقريزي (البيان والإعراب ص 10 والمواعظ ص 321) أن عيذاب أصبحت تحت حكم فرع من قبيلة ربيعة يعرف ببني يونس "ملكوها عند قدومهم من اليمامة" يعني ذلك عام 238 هـ (852 م) وأضاف أنه جرت حروب بين بني يونس وبني بشر وهم فرع آخر من ربيعة انهزم فيها بنو يونس وعبروا البحر إلى الحجاز، فآل حكم عيذاب إلى بني بشر. وإلى بني بشر هؤلاء ينتسب أبو المكارم هبة الله بن الشيخ أبى عبد الله محمد بن علي. وهو الذي تمكن من القبض على أبي ركوة الذي خرج على الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، فأكرمه الخليفة كما ذكر المقريزي (البيان والاعراب ص 10) بلقب "كنز الدولة". وأختلط هذا الفرع من قبيلة ربيعة العربية بالنوبة سكان منطقة أسوان وسادت بين سلالتهم اللغة النوبية، وأصبح هذا الفرع من النوبة يعرفون بالكنوز.

وبدأت المعلومات ترد عن نشاط ميناء عيذاب في المصادر العربية منذ القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) تناولت سكانها وأوضاعها الادارية ونشاطها التجاري. وقد ذكرنا في الموضوع السابق أن سكان منطقة برينيق والمناطق الواقعة إلى الشمال والجنوب منها عرفوا في المصادر اليونانية والرومانية والاكسومية بأسماء آكلي السمك والتروجلوديت والبليميين والبجة. واتفقت المصادر العربية أن البجة هم سكان ميناء عيذاب. يقول عنها ابن حوقل (ج 1 ص 158) "عيذاب ناحية للبجة" ويقول الادريسي (ج 1 ص 11) عيذاب من أرض البجة" ويقول ابن جبير (ص 159) "أهلها الساكنون بها قبيل من السودان يعرفون بالبجاة" ويقول ابن بطوطة ( ص 254) "وأهلها البجة" ويقول ياقوت الحموي (ج 4 ص 388) "عيذاب "مدينة البجة"

وكانت عيذاب من أهم الموانئ التي ربطت تجارة المحيط الهندي بمصر والبحر المتوسط. إذ لم يكن هنالك ميناء بين عيذاب وخليج السويس إلا القصير إلى الشمال قليلاً من عيذاب. ولم يكن للقصير نشاط يذكر ولم تشر إليها المصادر العربية التي تناولت موانئ هذا الساحل. وأوجز القلقشندي (ج 3 ص 252) في وصفها قائلاً: " القصير فرضة قوص" ووضح (ج 3 ص 536) أنها "في جهة الشمال عن عيذاب وكان يصل إليه بعض المراكب لقربه من قوص"

وفي واقع الأمر فإن منطقة الساحل الواقعة بين عيذاب جنوباً وخليج السويس شمالاً لم يتأسس عليها ميناء دائم يقوم بخدمة الملاحة ويكون مقراً للسفن منذ دخول المسلمين مصر في القرن السابع الميلادي. وكانت السفن في مصر تدخل البحر الأحمر من النيل كما كان الحال في العصر الفرعوني. فقد وصف القلقشندي (ج 3 ص 597) خروج السفن للغزو في العصر الفاطمي بعد تجهيزها في النيل في القاهرة قائلاً: " تنحدر المراكب إلى دمياط وتخرج إلى البحر الملح"

وهكذا انفرد ميناء عيذاب في الجزء الشمالي من البحر الأحمر، فكان الميناء الرئيس في نهاية طريق الهند البحري للبحر المتوسط. فأصبحت عيذاب كما وصفها المقريزي (المواعظ، ص 309) "من أعظم مراسي الدنيا" وصارت كما يقول الحميري (ص 423) "مجمع التجار براً وبحراً" ووصفها ابن جبير (ص 155) بأنها " من أحفل مراسي الدنيا بسبب أن مراكب الهند واليمن تحط فيها وتقلع منها" وذكر أنه أراد "إحصاء القوافل الواردة والصادرة فما تمكن لنا، ولا سيما القوافل العيذابية المتحملة لسلع الهند الواصلة اليمن، ثم من اليمن عيذاب. وأكثر ما شاهدنا من ذلك أحمال الفلفل، فلقد خيل إلينا لكثرته أنه يوازي التراب قيمة." ووضح الادريسي (ج 1 ص 41) وأهل عيذاب يتجولون في كل النواحي من أرض البجة يشترون ويبيعون ويجلبون ما هنالك من السمن والعسل واللبن وبالمدينة زوارق يصاد بها السمك الكثير اللذيذ الطعم الشهي المأكل" ...

كما اشتهر ميناء عيذاب بكونه المنفذ الرئيس لمناطق التعدين بأراضي البجة. وقد تناولت المصادر العربية الثراء الواسع لأراضي البجة في هذا المجال وبخاصة في معدني الزمرد (المسعودي ص 54 – 56) والذهب (اليعقوبي، تاريخ 15 – 17) واللؤلؤ في جزيرة بالقرب من عيذاب (ابن جبير ص 156) وخروج كميات كبيرة من هذه المعادن للعالم الخارجي. وقد تناول المقريزي (المواعظ ج 1 ص 251) مناطق التعدين قائلاً: " كثرت العمارة حتى صارت الرواحل التي تحمل الميرة إليهم من أسوان، ستين ألف راحلة، غير الجلاب التي تحمل من القلزم إلى عيذاب"

وإلى جانب ذلك كانت ميناء عيذاب معبراً مهماً لحجاج بيت الله الحرام من منتصف القرن الخامس الهجري وحتى منتصف القرن السابع الهجري (11 – 13م) وهي الفترة التي انقطع سفر الحجاج فيها عبر صحراء سيناء نسبة لتهديد الصليبيون لطرق الحج. وهكذا تنوعت موارد ميناء عيذاب مما جعل المصادر العربية تصفها بأنها "من أعظم مراسي الدنيا"

إدارة ميناء عيذاب

دخلت مصر منذ القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) تحت حكم عدد من الأسر مثل الأسر التركية والشركسية والألبانية، و كونت تلك الأسر دولاً اشتهرت بأسمائها مثل الأسرة الطولونية التركية التي كونت الدولة الطولونية 868 – 933 م، ثم الأسرة الإخشيدية التركية كونت الدولة الإخشيدية 933 – 972م، ثم الأسرة الفاطمية العلوية كونت الدولة الفاطمية 972 – 1171م، ثم الأسرة الكردية التي كونت الدولة الأيوبية 1171 – 1250م، ثم أسر المماليك أتراك وشراكسة 1250 – 1517م، ثم العثمانيون 1517 وآخر حكام العثمانيين على مصر هي أسرة محمد على الألبانية والتي انتهى حكمها بثورة يوليو على يد محمد نجيب 1952م. فمحمد نجيب أول حاكم مصري يتولى حكم مصر منذ الفتح الاسلامي عام 642 م.

وكانت الأسر التي حكمت مصر تعمل على امتداد نفوذها على ساحلي البحر الأحمر من أجل الاشراف على حركة التجارة والحرمين الشريفين مكة والمدينة. وقد رأينا أن ميناء عيذاب أصبح داخل حدود الخلافة منذ العصر الأموي. وبعد دخول مصر تحت حكم الأسر المتعاقبة شاركت تلك الأسر البجة في إدارة ميناء عيذاب.

فقد أوضحت المصادر العربية (ابن الوردي ص 374) أن إدارة عيذاب كانت ثنائية عليها "وال من قبل البجة ووال من قبل سلطان مصر" كما ورد نفس المعنى عند الإدريسي (ج 1 ص 41) وعند الحميري (ص 423) وعند ابن بطوطة (ص 254) وابن جبير (ص 159) وأوضح الإدريسي أنه "على عامل صاحب مصر القيام بجلب الأرزاق والمعيشة إلى عيذاب وعلى رئيس البجة القيام بحمايتها" وذكر ابن بطوطة أنه لما وصل إلى عيذاب وجد "الحدربي سلطان البجاة يحارب الأتراك، وقد خرق المراكب، وهرب الترك أمامه فتعذر سفرنا في البحر"

وكانت إدارة ميناء عيذاب تتحصل على نوعين من الضرائب، ضرائب على التجارة وضرائب على الحجاج العابرين إلى جدة. وذكر ابن جبير (ص 159) الذي مكث في عيذاب في طريقه للحج عام 578 هـ - 1182 م أن المتحصل من الضرائب كله لملك البجة إلا البعض منه يأخذه الوالي المعين من قِبَل حكام مصر. لكن الإدريسي (ج 1 ص 41) والحميري (ص 423) وابن الوردي ص 374 ذكروا أن المتحصل من الضرائب يقسم نصفين بين ملك البجة والوالي من قِبَل حكام مصر.

ووضح ابن جبير المصاعب التي كانت تواجه الحجاج من أصحاب المراكب، فكانوا يشحنون المراكب بالحجاج حتى يجلس بعضهم فوق بعض. وذكر المقريزي (السلوك ص 328) أن على كل حاج دفع ضريبة مقدارها سبعة دنانير ونصف ترسل لأمير مكة، إلاّ أن صلاح الدين الأيوبي أوقف تحصيل هذه الضريبة عام 1176 م وعَوّض عنها أمير مكة "ألفي دينار وألف أردب قمح، سوى إقطاعات بصعيد مصر وباليمن، وقيل إن مبلغ ذلك ثمانية آلاف أردب قمح تحمل إليه إلى جدة."

بدأ نشاط ميناء عيذاب في التدهور بعد فتح الطريق البري للحج عبر صحراء سينا بعد زوال الخطر الصليبي في منتصف القرن السابع الهجري (الحادي عشر الميلادي) فقَلَ عبور الحجاج من ميناء عيذاب. وجاءت الضربة الثانية بتوقف العمل في مناطق التعدين في منتصف القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) فانتقل النشاط من عيذاب إلى سواكن.



سواكـن

دخلت مناطق سواكن وبورتسودان الحاليتين في خدمة التجارة والملاحة في البحر الأحمر منذ العصر البطلمي في القرن الثالث قبل الميلاد، فقد أسس البطالمة عدداً من الموانئ على ساحل البحر الأحمر السوداني كما أشرنا إلى ذلك في الموضوع السابق. وذكر صلاح الدين الشامي (ص 29) أن ميناء ليمون افانجلس Limen Evanglis البطلمية ربما كانت في نفس المكان الذي عرف فيما بعد بسواكن. ولم ترد معلومات عن نشاط ميناء ليمون افانجلس في العصرين الروماني والبيزنطي في مصر حتى الفتح الإسلامي. كما لم يرد ذكر لميناء سواكن في المصادر العربية في الفترة السابقة لظهور الإسلام. ولم تهتم المصادر العربية المبكرة بميناء سواكن مثل اهتمامها بالموانئ الأخرى مثل دهلك وعيذاب مما يشير إلى عدم نشاطها في تلك الأوقات. وظهر اسم سواكن في المصادر العربية في القرن الرابع الهجري (العاشر اليلادي) باعنباها إحدى مدن البحر الأحمر دون ذكر لنشاطها كميناء. (الهمداني ج 2 ص 22 وابن حوقل ج 1 ص 24)

وفي القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) طرأت على المنطقة تحولات كبيرة مثل احتلال المماليك لسواكن وتدهور ميناء باضع وبداية ضعف ميناء عيذاب فأدى كل ذلك إلى انتعاش ميناء سواكن، فوصفه ياقوت الحموي: " معجم البلدان (ص 164) قائلاً: "سواكن بلد مشهور على ساحل بحر الجار قرب عيذاب ترفأ إليه سفن الذين يقدمون من جدة." كما ساعد على ازدهار ميناء سواكن قيام المماليك بتأمين طرق التجارة البرية والبحرية، وتشجيع تجار الكارم على ارتياد ميناء سواكن. (العيني ج 1 ص 110)

وكانت سواكن تحت سلطة أسرة بني نمي حكام مكة، الأمر الذي أدى إلى توثيق صلة سواكن بمنطقة الحجاز ليس من الناحية التجارية فقط بل وأيضا من الناحية الثقافية. فقد تردد عليها واستقر بها عدد من علماء الحجاز. وقد ترجم السخاوي (ج 1 ص 223، ج 2 ص 413، ج 3 ص 75) لبعض أولئك العلماء في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) انظر التراجم في (أحمد الياس حسين، نصوص من المصادر العربية، ص 355 – 359)



انتشار الإسلام

اتضح من خلال الموضوعات السابقة أن سواحل البحر الأحمر الشرقية والغربية كانت على صلة دائمة منذ عدة قرون قبل ظهور الاسلام. وقد ساهم كلا الساحلين في حركة التجارة العالمية بين المحيط الهندي والبحر الأبيض منذ القرون الأخيرة السابقة للميلاد، وقامت عدد من الموانئ والممالك التي ربطت الساحل الافريقي بالعالم القديم. وتواصلت تلك الروابط بعد قيام الاسلام وامتداد الخلافة في حوض البحر المتوسط، وأصبح ساحل البحر الأحمر الغربي منذ وقت مبكر ضمن حدود الدولة الاسلامية تحت إدارة حكامها المحليين.

وقد أوضحت المصادر العلاقات الدائمة والتواصل المستمر بين المسلمين وساحل البحر الأحمر بين ميناءي دَهلَك جنوباً وعيذاب شمالاً منذ القرن السابع الميلادي لأسباب سياسية ونشاطات تجارية وثقافية. وتضمنت المصادر العربية بعض أخبار تلك الصلات المبكرة مثل أخبار الفقيه الصالح عراك بن مالك الغفاري المدني الذي عاش لبعض الوقت في دهلك في القرن السابع الميلادي كما أشرنا إلى ذلك في موضوعنا السابق. وكانت دهلك على صلة بمراكز العالم الاسلامي العلمية، وذكر الحميري (ص 244) أن حول باضع "ثلثمائة جزيرة معمورة أهلها مسلمون ... وفيها مساجد جامعة وأحكام عادلة" وترجمت كتب التراجم لبعض قضاتها كما ذكر الحميري (ص 244) والذهبي (ج 7 ص 169)

ويبدو أن الإسلام لم يكن منتشراً على الساحل فقط بل كان منتشراً أيضاً في مناطق شمال وداخل بلاد البجة. فقد ذكر ابن حوقل (ص 64) أن أكثر البجة في الشمال أسلموا "إسلام تكليف، وضبطوا بعض شرائط الاسلام" منذ عصر عبد الله بن بن أبي سرح عام 31 هـ م 651 م. بينما قرر المقريزي (المواعظ ص 295) أنهم "أسلموا في إمارة عبد الله بن سعد بن أبي سرح"

ولا تتوفر معلومات عن مدى انتشار الاسلام في مناطق الشمالية والداخلية لبلاد البجة، ولكن يبدو مما ورد في اتفاقية الأمان بين مملكة البجة الحداربة مع الخلافة العباسية عام 216 هـ / 831 م أنه كان هنالك تواصل بين المسلين والبجة في الشمال والداخل وأن الاسلام قد بدأ ينتشر في هذه المناطق.

فقد جاء ضمن شروط اتفاقية الأمان "إن دخل أحد من المسلمين بلاد البجة تاجراً أو مقيماً أو مجتازاً أو حاجاً فهو آمن فيكم كأحدكم حتى يخرج من بلادكم ... على أن تردوا أموال المسلمين إذا صارت في بلادكم بلا مؤنة تلزمهم في ذلك ... لا تمنعوا أحداً من المسلمين الدخول في بلادكم والتجارة براً وبحراً ... على أن لا تهدموا شيئاً من المساجد التي بصيحة وهجر وبسائر بلادكم طولاً وعرضاً" (ابن سليم الأسواني ص 110 – 111) ووضح ابن حوقل (ص 70) أن الاسلام كان لا يزال ضعيفاً في القرن التاسع الميلادي وأن ملك البجة الحدربي عندما زار بغداد في ذلك الوقت لم يكن مسلماً.

ورغم ان المصادر العربية قد تناولت المناطق الداخلية لساحل البحر الأحمر، إلا أن تلك المعلومات أتت مقتضبة لا تمكن من رسم صورة واضحة لانتشار الاسلام في المناطق الداخلية. وكانت منطقة ظهير الساحل في دولتي السودان وارتريا الحاليتين مأهولة بالسكان، ولتوضيح ذلك يمكن الرجوع إلى بعض ما ذكره ابن حوقل - الذي مر بالساحل في النصف الأول من القرن العاشر الميلادي- عن قبيلة الحداربة ومناطق وادي بركة.

فقد وصف ابن حوقل (ج 1 ص 60) بطون قبيلة الحداربة قائلاً: "ويتفخّذ لهؤلاء القوم كلّ بطن الى نحو مائة فخذ ولكلّ فخذ رئيس أو رئيسان وجميعهم منتجعون لا حاضرة لهم و تكون بلادهم التي تمطر و تزرع و ينتجعونها بمواشيهم طولا نحو شهرين مسيرة و العرض من البحر الى النيل و مشاتيهم على البحر المالح و السواحل و مصائفهم الأودية التي في وسط البلد ذوات مياه مراع تقوم بهم و خريفهم فيما قارب النيل"

ويصف ابن حوقل (ج 1 ص 59) مناطق وادي بركة" وبين قلعيب وبركه غياض عاديّة ذوات أشجار وربّما كان دائر الشجرة من أربعين ذراعا الى خمسين ذراعا وستّين ذراعا وأفنيتها مراتع الأفيلة والزرافات والسبع والكركدّن والنمر والفهد الى سائر الوحوش سائمة راتعة في غيلها ومياهها وغياضها ... والذي بين وادى بركه وجبلها المدعوّ ملاحيب راجعا الى الإسلام قلعيب وانبوريت و جبال دروريت و مياه متّصلة وبلدان عامرة لبيواتيكه من قبائل البجة تزيد على الإحصاء ولا يبلغ عددها لتوغّلهم في أعماق الصحارى"

ويلاحظ ان اليعقوبي الذي ألف كتابه التاريخ في نهاية القرن التاسع الميلادي لم يكتب عن الإسلام في بلاد البجة بل ذكر (التاريخ ص 22) أن مملكة نقيس (مملكة الحداربة) "مسالمون للمسلمين والمسلمون يعملون في بلادهم في المعادن" وذكر (نفس المكان) عن سكان مملكة بقلين أنهم: "يضارعون في دينهم المجوس والثنيوية فيسمون الله، عز وجل، الزنجير الأعلى، ويسمون الشيطان صحي حراقة، " وفي كتابه البلدان (ص 20) – الذي ألفه قبل كتاب البلدان – ذكر أن "المدينة التي يسكنها ملك الزنافجة يقال لها بقلين. وربما صار المسلمون إليها للتجارات ومذهبهم مثل مذهب الحداربة، وليس لهم شريعة إنما كانوا يعبدون صنماً يسمونه ححاخوا."

ولم يتطرق اليعقوبي لمعتقدات البجة في الممالك الأخرى، وتبدو معلوماته عن معتقد أهل بقلين غير دقيقة فهو يشبههم مرة بالمجوس والثنيوية ويقرر مرة أخرى أنه ليس لهم شريعة. وبعد نحو ستة عقود من تأليف اليعقوبي لكتابه التاريخ مرّ ابن حوقل بساحل البحر الأحمر وكتب عن بلاد البجة. فعندما تناول نهر الدجن (وادي القاش) في القرن العاشر الميلادي ذكر أنه: "وسط هذا الوادى تفلين قرى أيضا للبادية منهم ينتجعونها للمراعى حين المطر ولهم ملك مسلم يتكلّم بالعربيّة من قبل صاحب علوه ويختصّ أهل تفلين بالإبل والبقر ولا زرع لهم، فيهم مسلمون كثيرون من غير ناحية على دينهم يتجرون ويسافرون الى مكّة وغيرها"

فهل مدينة بقلين عاصمة مملكة الزنافجة عند اليعقوبي هي مملكة تفلين عند ابن حوقل؟ يبدو معقولاً مما ورد من وصفهما أنهما يرجعان إلى نفس الموقع. فقد ذكر اليعقوبي (البلدان ص 20) أنها تقع على بعد خمسة وعشرون مرحلة من وادي العلاقي. وهذه المسافة من وادي العلاقي يمكن أن تصل إلى "نهر الدجن" حيث تقع مملكة تفلين عند ابن حوقل. و"نهر الدجن" المقصود به دلتا نهر القاش. فيبدو مقبولاً أن يكون لفظي بقلين وتفلين يرجعان إلى نفس الموضع الذي ذكره الدمشقي (ص 237) بصورة مختلفة فذكر أن ملك الزنافجة "يسكن مدينة نقلين"

وبعد وفاة ابن حوقل بقليل دخل ابن سليم الأسواني (توفى عام 996 م) مملكة مقُرّة وذكر (ص 102) وقال عن مدينة سوبة "وفيها أبنية حسان ودور واسعة، وكنائس كثيرة الذهب، وبساتين ولها رباط فيه جماعة من المسلمين"

ويتضح من كتابات ابن حوقل وابن سليم الأسواني أن الاسلام كان منشراً في المناطق الداخلية لبلاد البجة وفي مملكة علوة. وقد كانت حدود مملكة علوة تمتد إلى داخل صحراء بلاد البجة، فقد ابن سليم (ص 113) البجة الداخلة في صحراء بلد علوة مما يلي البحر الملح إلى أوّل الحبشة" فالإسلام كان قد انتشر بصورة واسعة في القرن العاشر الميلادي ما بين من سواحل البحر الأحمر شرقاً وحتى مدينة سوبة على النيل غرباً. وكانت سياسة مملكة علوة تجاه المسلمين تختلف عن سياسة مملكة مقُرة.

ففي الوقت الذي كانت فيه مملكة مقرة تحظر دخول المسلمين شمال منطقة حلفا إلا بأذن من حاكم الاقليم الشمالي، وتمنع الدخول في جنوب منطقة حلفا إلا بإذن من الملك، وفي الوقت الذي أدى فيه ابن سليم صلاة العيد خارج مدينة دنقلة في القرن العاشر الميلادي لعدم وجود مسجد بالمدينة (كتاب المقفى ص 370) كان هنالك حي كامل للمسلمين في عاصمة مملكة علوة، وكانت هنالك مملكة ملكها مسلم ويتحدث العربية تابع لمملكة علوة. وقد أدت سياسة مملكة علوة إلى توثسق صلاتها بالمسلين مما ساعد على انتشار الاسلام في مناطقها الشرقية.

ولم تهتم المصادر العربية بعد القرن العاشر الميلادي ببلاد البجة الداخلية، وقلت المعلومات بصورة واضحة عنها. وفي بعض الأحيان تختلط المعلومات عن البجة بالمعلومات عن الحبشة كما عند ياقوت الحموي (ص 169) الذي ذكر أن البجة نصارى."

وفي القرن الخامس عشر الميلادي ذكر المقريزي عند حديثه عن جزيرة سواكن (المواعظ ص 295) "وأهلها طائفة من البجة تسمى الخاسة، وهم مسلمون ولهم بها ملك" ووضح ابن حوقل (70) أن مواطن الخاسة بين وادي بركة والبحر الأحمر. فمملكة الخاسة الاسلامية نشأت في المنطقة الواقعة من وادي بركة جنوباً وحتى منطقة سواكن شمالاً. ولكن لا تتوفر معلومات عن تاريخ قيامها، فقبل المقريزي بقرن ذكر الدمشقي (236) أن الخاسة متصلون بعيذاب، وأن "الخاسة السفلى كفار والعليا مسلمون" وربما دل ذلك على أن مملكة الخاسة كانت قائمة في القرن الرابع عشر.

وفي القرن الرابع عشر توغلت حملة مملوكية من سواكن داخل بلاد البجة واشتبكت في معركة عام 1316 م مع مملكة الحلنقة في منطقة كسلا الحالية وقتلوا اثنين من ملوك الحلنقة. وواصلت الحملة طرقها على نهر عطبرة حتى النيل فمصر. (النويري ص 234) فهل مملكة الحلنقة كانت امتداداً لمملكة تفلين؟

الممالك الإسلامية في شرق السودان تتطلب اهتمام الباحثين لأن تاريخ انتشار الإسلام في السودان يبدأ من الشرق وليس من الشمال. وكما سنرى في موضوعنا التالي فان دراسة انتشار الاسلام في السودان يتطلب كذلك التعرف على انتشار الإسلام المبكر في الحبشة.

ونواصل المحور الشرقي: موضوعنا التالي عن الحبشة.

تصويب: أولاَ اعتذر للقراء الكرام عن أخطاء الطباعة المتكررة في كتاباتي، لأنني أكتب موضوعاتي بنفسي ويصعب على من يكتب مراجعة ما كتبه. ولذلك تظهر بعض الأخطاء رغم مراجعتي للنص. وأود أن أشير هنا إلى المقال السابق رقم 8 فقد ورد تحت عنوان "ميناء دَهلَك" في بداية الفقرة رقم 7 "شهد ميناء عيذاب تحولاً واضحاً من حيث الأمن والنشاط التجاري منذ بداية العصر العباسي" والصحيح "شهد ميناء دَهلًك" كما هو واضح من بقية الجملة.

المراجـــع

أحمد الساس حسين، "نصوص من المصادر العربيةعن سواكن بين القرنين 3 – 13 هـ / 9 – 19 م" في منتصر أحمد النور (محرر) سواكن: التاريخ والحضارة والتفاعلات العالمية، سلسلة ندوات التنوير9، الخرطوم: مركز التنوير المعرفي 2013.

الادريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، موقع الوراق warraq.com

ابن بطوطة، تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، في مصطفى محمد مسعد، المكتبة السودانية العربية، الخرطوم: دار المصورات للنشر 2014.

ابن جبير، تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار المشهورة برحلة ابن جبير، في مصطفى محمد مسعد، المكتبة السودانية.

ابن حوفل، صورة الأرض، موقع الوراق.

السخاوي، الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع، موقع الوراق.

صلاح الدين الشامي، الموانئ السودانية، سلسلة الألف كتاب 378، القاهرة: مكتبة مصر 1961.

الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار، بيروت: مؤسسة ناصر للثقافة 1980.

عبد الرحمن حسب الله، العلاقات بين بلاد العرب وشرق السودان منذ ظهور الاسلام وحتى ظهور الفونج، المطبعة العسكرية: 2005.

السخاوي، الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع، موقع الوراق.

العيني، عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان، موقع الوراق.

المقريزي، المواعظ والاعتبار، في مصطفى محمد مسعد، المكتبة السودانية.

المقريزي، البيان والإعراب عما بأرض مصر من الأعراب، موقع الوراق.

المقريزي، كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك، في مصطفى محمد مسعد، المكتبة السودانية.

ابن منظور، مختصر تاريخ دمشق، موقع الوراق

النويري، نهاية الأرب في فنون الأدب، في مصطفى محمد مسعد، المكتبة السودانية.

الهمداني، صفة جزيرة العرب، موقع الوراق.

ابن الوردي، خريدة العجائب وفريدة الغرائب، في مصطفى محمد مسعد، المكتبة السودانية.

ياقوت الحموي، معجم البلدان، موقع الوراق.



شارك بتعليقك على صحفتنا في تويتر
...

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 30
.
Propellerads

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 30


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google


د. أحمد الياس حسين
د. أحمد الياس حسين

تقييم
0.00/10 (0 صوت)