. .
...
الخميس 22 أغسطس 2019 راسلنا | القائمة البريدية | سجل الزوار | خريطة الموقع


جديد المقالات
جديد الأخبار
جديد الفيديو


جديد الصوتيات

تغذيات RSS

المتواجدون الآن


Propellerads
المقالات
مكتبة مقالات د. أمل الكردفاني
قصة كاتب حر - قصة قصيرة
...
قصة كاتب حر - قصة قصيرة
02-10-2019 02:32




قصة كاتب حر - قصة قصيرة


د.أمل الكردفاني


ازقة المسالمة خالية نهارا ؛ مع ذلك ستشعر بروحانية مسيحية حين تعبر متاهتها ، ولا بأس من أن ترى فتاتين قبطيتين جميلتين تسيران الهوينى وأصابع يديهما متشابكة.. عابرتان الأزقة كطيف مريم المجدلية.
المباني لا زالت على صورة تكوينها الأولى لم تزد ولم تنقص. يقول ماركوس العجوز ، ويشعر بانتماء يتخلل عظامه لحي المسالمة ، انتماء أخذ منه أسنان وضروس فكيه الأعلى والأسفل ، يقول جهرا وهو يمجد الرب سرا:
- حي السماسرة ... فيه الكنيسة والمسجد .. أيام الخير يا مينا.. ناس جعفر بخيت واسطى صالح وابو مرين .. والشوام والأرمن واليهود والأقباط.. هييييه... الآن لم أعد أعرف الكثير من سكانه .. الأجيال الجديدة زحفت الى الخرطوم حيث مصادر المال..ألا يكفي أن أغترب هنا كي تأت انت وتقرر السكن بالخرطوم هناك؟.
مينا ذو يد ناعمة وطرية كيد طفل ، شعره داكن السواد وابتسامته جذابة ، كان طفولي الملامح..
- لابد أن أشق طريقي في الصحافة يا جدي...هذا حلمي .. الكتابة هي روحي...وانا لن أعيش هناك بل عملي فقط هناك..لن أجد فرصة تدريب في صحيفة أخرى سوى هذي ..
قال الجد: لم اقطع الكوبري الا سبع مرات طيلة حياتي يا بني...وللشديد القوي بس..
رسم علامة الصليب على صدره..وصمت.
- غريب فعلا...
نهض مينا وترك جده جالسا يستذكر التاريخ . قال في سره:
- مضى كل شيء يا جدي ماركوس..العالم تغير...العالم ازداد تعقيدا عن السابق...عليك أن تعبر آلاف الجسور قبل أن تستقر خلف جسر واحد...

***

نصحته أمه بألا يرتدي بدلة وربطة عنق ؛ أخبرته أن هذا يستفز الزملاء منذ أول يوم له في التدريب ؛ كما نصحته بألا يتحدث في الدين أو السياسة. قبل رأيها في ملبسه وصمت عن الباقي. وهكذا توجه إلى صحيفة لم تحظ بانتشار واسع بعد ، بل اعتمدت على الفكاهة والتسلية والرياضة. لكنها بداية طيبة ليحصل على القيد الصحفي. كان رئيس التحرير عجوزا بما لا يتناسب مع حداثة الصحيفة ، مع ذلك كان لقاؤه بمينا فاترا جدا أشعر الأخير بعدم الارتياح.
وبعد صمت دام لدقائق قال العجوز:
- مينا .. الحقيقة لم اتذكر مسيحيا عمل مؤخرا كصحفي..ليس مؤخرا بل منذ عقود طويلة... ولا أعرف السر.. انتم تحبون الخاص..
لوى شفتيه وقال:
- الذهب تحديدا والتجارة عموما والمصانع والمكتبات لكن ليس الصحافة...
لم يكن حديث العجوز يوحي بما يسهل الأخذ والرد ، كان حديثا خطيا مسترسلا بتتابع دون نهاية مفهومة. لقد استمع مينا للرجل بصمت مطبق وهو ينتظر الخاتمة التي تهمه ، وبالفعل جاءت الخاتمة:
- سأقرأ أنا شخصيا ما تكتبه قبل اتخاذ قرار بنشره أو عدم نشره.. الصحيفة كما ترى يا بني جديدة ولا يمكن أن تتحمل ميزانيتها أي معرقلات أمنية ..مع ذلك أفضل ألا تكتب في السياسة...
هز مينا رأسه موافقا ؛ ثم غادر إلى درج مكتب صغير بين عدة أدراج في صالة واحدة. لقد كانت بداية غير مبشرة.
لقد يسر له الأب الحصول على فرصة التدريب هذه وكما نصحه الكثيرون نصحه هو أيضا:
- يا مينا...الكتابة خطر يا حبيبي...بحق يسوع كن نبيها وذكيا...
كان زملاؤه منكبون على الكتابة كما لو كانوا في امتحان مدرسي. دار ببصره وحفظ وجوههم بقدر ما يستطيع. ثم قال بصوت متوسط التردد:
- أنا مينا... متدرب جديد هنا...
رفعوا أبصارهم وحيوه بصوت وبغير صوت.. قال شاب نحيل:
- الصحافة ليست نزهة يا مينا أمامك عمل شاق وننتظر منك الكثير...
- أتمنى أن أوفق بمعونتكم..
قال الشاب:
- لن يعينك سوى نفسك... قوة الملاحظة .. المواكبة .. الذكاء والقدرة على التحليل وأخيرا اللغة السهلة المفهومة...
ضحك مينا وقال بجزل:
- لقد اعنتني بكلماتك هذه بالفعل...
قال الشاب مبتسما:
- حسنا.. هذه غلطة لن تتكرر كثيرا .. مرحبا بك معنا...

***

- الكتابة تعرية للكاتب ..
قال الأب ناصحا...:
- والكتابة لا يمكن أن تكون محايدة أبدا مهما بلغت من ذكاء...
دقت هذه الكلمات في عقله وهو يبسط حاسبه المتنقل أمامه ليشرع في الكتابة..
هناك قضايا كثيرة كانت تزدحم في رأسه قبل أن يدلف إلى الصحيفة وقبل أن يجلس على الكرسي...لكنها تبخرت في لحظة... وحين عاد ونظر لزملائه وجدهم منكبين برؤوسهم على الكتابة ؛ بعضهم على الورق وقليل منهم على حاسبه الشخصي. ماذا يكتبون...؟
كان التكييف يئز ببرودة لطيفة ، في حين كانت اشعة الشمس الحارة تصطدم بزجاج النافذة ثم تنعكس الى مصدرها .. لقد عبرت خلال ملايين السنين الضوئية .. لكي تصل إليهم هاهنا...أليست هذه معجزة... أن نشعر الآن وفي هذه اللحظة بحرارة انطلقت من عقالها قبل ملايين السنين...
قال في نفسه:
- بدلا عن أن نعود الى التاريخ هاهو يأتنا بقدميه... فلأكتب عن هذا...

ثم نقر بأصابعه:
"شمسنا المعجزة"

***


قال العجوز:
- يا بني.. من هذا الذي سيكترث برحلة شعاع الشمس عبر الفضاء...إن الناس لا يحبون الكلام العلمي المعقد.. هم يهتمون فقط بالشمس الحاضرة أو التي ستأتي أما رحلتها فلا تهمهم في شيء .. هل رأيت أحدا يتابع رحلة السمكة قبل أن يطهيها ويأكلها.. مع ذلك فمقالك قوي من حيث اللغة نحوا وبلاغة وإملاء...لذلك أنصحك بأحد أمرين .. إما أن تتدرب على التحقيق الصحفي .. وإما أن تتخصص في مجال الأدب وخاصة النقد الأدبي..وأنا أفضل هذا الأخير فهو آمن جدا لك...على الأقل في بداية تدريبك...
قال مينا:
- بل أفضل التحقيق الصحفي..
قال العجوز:
- إذا..أرنا شطارتك...
وأثناء عودته الى مكتبه لم يفتأ يبحث عن موضوع ليجري فيه تحقيقا صحفيا...وحين استقر على كرسيه أخذ يدير بصره باحثا عن الإلهام ولو في نصف مشهد..
قرر أن يخرج إلى الهواء الطلق ، فلعله هناك يحظى بفكرة ما أو موضوع شيق.. كان يهبط بتؤدة على الدرج المفضي إلى باب العمارة.. ثم انعطف إلى دكان صغير ابتاع منه زجاجة مياه غازية. قال البائع:
- يمكنك أن تشربها في الداخل فنحن في شهر رمضان...
امتثل لرأي الرجل ودخل الى الدكان وأخذ يشرب ببطء... المسيحيون في رمضان..أليس موضوعا جيدا للتحقيق الصحفي...ودون أن يكمل شرابه وضع الزجاجة على الأرض ونقد البائع ثمنها ثم غادر بنشاط....وحين جلس بدأ في وضع نقاط ليرتكز عليها التحقيق الصحفي... "المسيحيون في رمضان..." قال لنفسه وهو يرفع حاجبيه ، ثم انطلق في كتابة النقاط المركزية.

***

- يا سيد مينا..
قال العجوز:
- هذا التحقيق قد يجر علينا مشاكل نحن في غنى عنها....أنت تعرف أن هذا النظام ديني المظهر حتى وإن لم يكن ديني الجوهر...وله أنصار من المنتفعين من رجال الدين...يجب ألا نمنحهم الفرصة لمهاجمتنا أو تصنيفنا كشيوعيين أو علمانيين أو ملحدين أو حتى شاقين لعصا الجماعة...تفهمني طبعا..؟
- أفهمك..
- نعم أنت ذكي بما يكفي لذلك...لذلك حاول أن تكتب تحقيقا صحفيا محايدا..يمكنك مثلا أن تكتب..
صمت قليلا وفكر:
- تاريخ الكنائس في العاصمة أو هندستها المعمارية مثلا..ليس بالضرورة أن تتعامل مع المسألة كعالم آثار أو كفنان تشكيلي من عهد الباروك.يكفي أن تكتب بشكل سلسل وجزل ..بحيث يجذب القراء ..
صمت مينا قليلا ثم قال:
- سأبحث عن موضوع أكثر تشويقا من هندسة الكنائس..
ثم أضاف:
- ربما تاريخها...
قال العجوز:
- ممتاز .. اعتقد أن أول كنيسة كانت في العهود القديمة ..لا أفهم كثيرا في التاريخ لكن عليك بذل مجهود قليل وستصل الى المعلومات المطلوبة...

***

- تاريخ الكنائس في العاصمة؟
تساءل الكاهن بحيرة:
- هذا ليس صعبا وليس سهلا....
سأمدك ببعض المعلومات ولكن عليك أن تختار معلومات لا تثير جدلا.. فأنت تعرف أن هناك كنائس تمت مصادرتها وكنائس اخرى استقطعت منها مساحات بررتها الحكومة بتحقيق الصالح العام كما أن هناك كنائس لطوائف أخرى أحرقت.. هذه أشياء يجب ألا تتحدث عنها فهي حساسة إلى حد ما ...
وحين خرج مينا زفر الكاهن بحيرة ثم جثى أمام تمثال العذراء وصلى بخشوع وقلق.

***

- تحقيق جيد يا مينا..فقط سأحذف منه بعض الفقرات التي قد تثير الجدل ..
نظر من خلف نظارته الى مينا وقال:
- لا داعي لأن يكون أول تحقيق لك تصادميا..فليكن دافئا قليلا...
وحينما خرج عدد الصحيفة في صباح اليوم التالي ؛ حصل مينا على أول نسخة منها وأخذ يتصفحها بسعادة ؛ غير أن سعادته لم تكتمل حينما وجد تحقيقه وقد تشوه تماما بسبب الحذف المتعسف.. مع ذلك رضي بهذا القدر باعتباره باكورة أعماله..، وحين فتح حاسبه الشخصي رأى شابا قصيرا يدلف إلى المكتب وهو يرتدي قميصا مكويا بعناية فائقة وربطة عنق فضية رقيقة السمك. قال القصير:
- عندي إعلان من المحكمة أرغب في نشره..
رفعت فتاة رأسها وقالت:
- أنت لست موظفا في المحكمة أنت محام؟
- نعم..تعلمين أننا كمحامين نفضل قضاء حوائجنا بأنفسنا .. فموظفوا المحكمة بطيؤون وكسالى ويحبون المال...ومع ذلك فنحن في النهاية من يؤدي لهم أعمالهم...
حانت منه التفاتة إلى مينا وقال:
- أنت إبن صفوت غنطوس؟
هز مينا رأسه نفيا ، قال المحامي:
- حسنا أرجوا من أحدكم أن يوجهني التوجيه السليم...
وعندما هم المحامي بالخروج استوقفه مينا ثم نهض من كرسيه واتجه إليه..
- هل بإمكاني أن أطرح عليك بعض الأسئلة يا أستاذ؟
- قال المحامي القصير:
- بالتأكيد... تفضل...
- أريد في الواقع أن أجري معك حوارا حول القانون يا أستاذ؟
قال المحامي:
- جدا .. هذا جميل.. لكنني لن أدفع شيئا...
- لا لن تدفع شيئا..
- حسنا.. سأنهي معاملتي وأعود إليك..
- شكرا لك...

***

أرتدى العجوز أسنانه الصناعية على فكه الأسفل ، ثم مضمض فمه بالماء ولفظه أسفل طاولته.
- تعرف يا مينا .. هذا أفضل لقاء أجرى في صحيفتنا هذي ..ويبدو أن المحامي المدعو...
- معتز سيدي..
- نعم معتز..يبدو انه محام جيد.. لكنه في نفس الوقت صاحب روح ثورية قليلا... فمثلا تحدث عن مخالفات رئاسة الجمهورية للدستور والقانون .. وعدم وجود ضمانات للمتهمين .. وقضايا أخرى كثيرة هامة.. أنا لا أنكر ذلك..ولكنها حساسة جدا ..
بسط العجوز أصابع كفيه الطويلة على ورق اللقاء الصحفي وقال:
- وأنت تعرف أننا لا زلنا في بداية عملنا ... ميزانيتنا قليلة جدا ولن تتحمل أي قرار بمصادرة عدد واحد فقط من الصحيفة...
صمت العجوز قليلا ثم أضاف:
- مواضيعك شيقة وأنت موهوب جدا يا مينا ...لكن الموهبة وحدها لا تكفي أنت تحتاج إلى تعلم كيف تكتب بلغة محايدة ومداهنة قليلا...أن تنحرف عن الحقيقة دون أن تتركها ... أن تشير إلى ما هو خفي إشارة عابرة ولكنها تخرجه إلى نور وعي القارئ...هذه فنيات مهمة ...البلد تغلي اليوم بسبب مشاكل سساسية واقتصادية والأجهزة الأمنية متحفزة للعدوان علينا بشكل مضر...
أدرك مينا أن اللقاء الصحفي لن ينشر ، لكنه سمع العجوز يقول:
- أنت تحتاج لهامش من الحرية لذلك سأحيلك إلى صحيفة يسارية مدعومة من الأحزاب اليسارية ولذلك يمكنها أن تنشر لك مقالاتك الجريئة...وهذا لا يعني أنك ستغادرنا بل ستظل معنا ولكن بعض مقالاتك ستنشر هناك...
- حسنا سيدي ... أشكرك...

***

- لقد أخبرني الصديق اللدود عبد الفتاح عن موهبتك يا مينا...قال بأنك جريئ وهذا بالفعل ما نحتاجه.. تعرف أن النظام يحاربنا بكل ما يمكنك ان تتخيله وما لا تتخيله من أسلحة ليكمم أفواهنا الحرة .. تارة بالمصادرة .تارة باغلاق الصحيفة لفترة زمنية..تارة بالضرائب الباهظة...الخ...لكن للحرية ثمنها يا أستاذ مينا...
انتشى مينا بحديث الرجل ذو الروح الثورية ؛ وحين ابتسم سأله الرجل:
- هل لديك موضوع محدد أم لا؟
- سأفكر في موضوع من واقع حرية الصحافة عندنا...
- جيد.. أنت عبقري...
- الاستخدام المتعسف للضريبة .. ما رأيك؟
- موضوع يقطر عسلا... أشرع فيه فورا....

***

قال العجوز:
-يا مينا يا بني العزيز ... ليس كل ما نعلمه يقال... تعرف أن هذه صحيفة يسارية فكيف تمجد الرؤية الليبرالية لتخفيض الضريبة وتدعوا إلى حكومة محدودة واقتصاد حر...طبعا رفضوا نشره بل انهم قد اتصلوا بي ووبخوني على ترشيحي لك..

قال مينا معترضا:
- ولكنني كنت أكتب عن الضرائب وليس شيئا آخر .. النقاط التي ذكرتها أنت كانت عابرة كما أنها خلافية ويمكن النقاش حولها..
قال العجوز:
- يا سيد مينا..يا حبيبي... هذه صحف لها توجهاتها وآيدلوجياتها ... لقد ظنوا أنك غواصة ..
- ماذا تعني؟
- أي ظنوا أنك تابع للنظام وتريد أن تخترق الصحيفة .. باختصار لقد ظنوا أنك جاسوس...
اعترض مينا وقال:
- ولكنني لست كذلك..لست كذلك...
- أعرف والله أعرف... لكنهم لا يعرفونك... كما ان لهم الحق في التشكيك والريبة حولك .. فكتابتك صادمت خط الصحيفة صداما مباشرا ...
صمت العجوز ؛ ثم رفع سماعة الهاتف الأرضي وأجرى اتصالا:
- ألو ... حوليني للسيد هاشم رجاء....نعم.. مرحب يا صديقي...انت تعرف المشاغل .. نعم سمعت بهذا اللقاء التنويري...لا لا أكترث بالسياسة فصحيفتنا تهتم بالتسلية في الغالب... يكفي الناس قرفا من السياسة ... طبعا نبيع أحسن منكم فالناس مكتئبون ويرغبون في التسرية عن أنفسهم ونسيان اكتآبهم... أسمع صديقي وحتى لا آخذ من وقتك الكثير.. لدى شاب ذو عقلية جبارة...صحيح أنه صغير في السن لكنه ليبرالي حتى النخاع... ارجوك امنحه فرصة ولو واحدة ... حسنا .. شكرا لك... سوف يمر عليك غدا صباحا ...

***

قال العجوز:
- يا مينا .. يا حبيبي... هذه صحيفة ليبرالية فكيف تكتب عن المجتمع كمعيار للصالح العام... انهم يؤمنون بالحرية الفردية فتأتيهم أنت لتقوض إيمانهم وتدعوا إلى الالتزام بقيم المجتمع لأن الفرد جزء منه وليس العكس وأن التشارك هو اساس لمجتمعات....لو قرأ فريدريك باستيا مقالك هذا لشنقك...
- لقد فهموا ما قلته بشكل خاطئ تماما...
- يا مينا... أرجوك حاول أن تفهم .. نحن شعوب تشك في كل كلمة .. والاتهام بالعمالة والجاسوسية جاهز دون حاجة لحكم قضائي...الناس حساسون جدا تجاه أيدولوجياتهم .. عندما تكتب عليك أن تكون محايدا بقدر المستطاع وحذرا جدا وأن تنتقي الألفاظ حتى لا تفهم بشكل خاطئ ويظنوك سيئ النوايا...
قال مينا والاحباط يرتسم على وجهه:
- لكن يا سيدي .. أين حرية التعبير...
قال العجوز:
- عندما تتحدث إلى نفسك كن حرا تماما .. أما وأنت داخل المجتمع فعليك أن تلتزم بقيمه كما قلت أنت بنفسك..
- ولكن سيدي لو راعينا لكل الناس وهم مختلفوا المشارب فماذا سنكتب... نراعي الحكومة والآيدولةجيات والقوانين .. فماذا سنكتب....هذا مثير للسخرية يا سيدي...
قال العجوز بإصرار:
- ستتهم بالجاسوسية والعمالة دائما ما دمت قد اخترت هذه المهنة ...
تناول العجوز كوب ماء وقال:
- سيتم تصنيفك في كل الأحوال ستصنف مع أو ضد أو جبان متنفع... لذلك عليك أن تجد مواضيع أقل تصادمية .. يمكنك مثلا أن تكتب مقالات ساخرة وشديدة الرمزية ....
فكر مينا وقال:
- حسنا.. فكرة جيدة... سأشرع في الكتابة الساخرة... لا أفتقد لحس الفكاهة...
- ممتاز... هلم إذن ...

***

بعد رفض نشر مقاله السادس والثلاثين أيضا نزل مينا من العمارة وأخذ يهيم في الطرقات...الطرقات الواسعة التي لا تشبه حي السماسرة أو حي المسالمة ... لا يوجد هنا رائحة المسيح ... هنا الكل عدو الكل ... هنا لا يمكنك ان تقف في خط الحياد.... وصل إلى كنيسته ودخل إليها ثم جلس أمام تمثال العذراء ؛ كانت تحمل الطفل يسوع بحنو وشفقة ، ونظرتها شديدة الحزن .. وكأنها كانت تعلم بأنه سيصلب يوما ما حين يرفض الوقوف على الحياد...

*_(تمت)_*


شارك بتعليقك على صحفتنا في تويتر
PropellerAds
...

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 177
.
Propellerads

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 177


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google


د. امل الكردفاني
د. امل الكردفاني

تقييم
0.00/10 (0 صوت)