. .
...
الأربعاء 17 يوليو 2019 راسلنا | القائمة البريدية | سجل الزوار | خريطة الموقع


جديد المقالات
جديد الأخبار
جديد الفيديو


جديد الصوتيات

تغذيات RSS

المتواجدون الآن


Propellerads
المقالات
مكتبة مقالات د. أمل الكردفاني
الزواج الانجاب الطبقة والدين..التمفصلات والتفكيك...
...
الزواج الانجاب الطبقة والدين..التمفصلات والتفكيك...
07-09-2019 01:07



الزواج الانجاب الطبقة والدين..التمفصلات والتفكيك...

د.أمل الكردفاني


تجنبا للسمنة أسير كل بضعة أيام لعدة كيلومترات حتى أبلغ بائع شاي وزلابية فأجلس ما شاء لي الجلوس ثم أكر عائدا أيضا بذات الكيلومترات القليلة. أثناء جلوسي الهانئ دار حوار بين شخصين (شابين) يجلسان جواري ؛ في الواقع سمعت أحدهما يسأل الآخر مستنكرا: حتى الآن لم تتزوج ولم تنجب..؟
بدا لي السؤال معتادا سماعه في السودان وسؤال الزواج والإنجاب رغم أنه تدخل في شؤون خاصة جدا لكنه ينم أيضا عن حميمية ما وعند النسوة السودانيات فيه نبرة من الشماتة والسخرية. وفي الأغاني الشعبية نسمع المغنية تقول: العقر ما بلدنو...
كان بودي أن اسأل ذلك الشخص بضعة اسئلة حول مدى أهمية أن ينجب الإنسان..ويمكنني مثلا أن أضرب عدة أمثال بعظماء التاريخ ؛ فابن تيمية مثلا لم يتزوج ولم ينجب. الفيلسوف العظيم كانط لم يتزوج ولم ينجب ، الفيلسوف شوبنهاور لم ينجب نيتشة لم يتزوج ولم ينجب سقراط لم ينجب ، فوكو أيضا...الخ وعلى نحو غير مؤكد فهناك دستوفسكي وبيتهوفن وأفلاطون... المهم أنه رغم عدم زواج أو انجاب هؤلاء فالعالم كله أو أغلبه يعرف هذه الشخصيات العظيمة.. في حين أن جد هذا الشاب الذي سأل صديقه مستنكرا لا يعرفه أحد في العالم. لا جده ولا أباه ولا هو نفسه بل ولا حتى جده العاشر. فلماذا ظل جد الشاب المتسائل مغمورا رغم انجابه وانجاب والده ..؟ لا يعرف التاريخ عنهم شيئا اللهم إلا في نطاق قبيلة أو قرية أو حلال.
إن المسألة ليست على هذا النحو البسيط والمبتذل إنها قضية معقدة جدا حينما نحلل سؤال الشاب لصديقه فسنجد أن مجتمعنا هذا يكرس لفكرة أهمية الانجاب ، وهنا علينا أن نتساءل عن السبب الذي يعطي مجتمعنا كل هذا الإجماع حول تلك القضية. في الواقع لو احتسبنا عدد سكان العالم منذ ظهور الانسان العاقل قبل مائة الف سنة أو يزيد وحتى اليوم فلن يقل عددهم عن عشرين مليار كائن بشري. مارسوا عملية التزاوج والانجاب ؛ في حين لو أننا حاولنا احتساب عدد الذين انتجوا انتاجا حقيقيا للبشرية بحيث غيرو تاريخها وحاضرها فلن يتعدو -في أفضل تقدير-مليون شخص ..يشتملون على الفلاسفة والعلماء والأنبياء. أي الجانب العقلي والروحي. وإذا كان عدد سكان الأرض اليوم يزيد قليلا عن السبعة مليارات نسمة فإن المليون عالم وفيلسوف ونبي لا يساوون أي شيء أمام المليارات السبع. أي أن كل منجزاتنا البشرية حتى اليوم من انترنت وصواريخ وأقمار صناعية وغيرها من علوم ومعارف متراكمة قد لا يتجاوز عدد مختلقيها وصناعها سوى عشرة مليون شخص.
لدينا اليوم حوالى سبع مليارات بني آدم .. تسع وتسعون في المائة منهم أو أقل لم يحققوا أي انتاج يدعم حركة الحضارة الانسانية وواحد بالمائة فقط هم من تزعموا قيادتنا للأمام. الغالبية الكاسحة من الأقل ذكاء والأقل معرفة هم الأكثر ميلا للانجاب. فوفقا لنظرية الارتداد أو الاتضاع المفاهيمي كلما زاد جهل الانسان وفقره كلما مال للانجاب بكثرة ، وربما كان الغرض من ذلك هو شعور المرء بأنه منتج. فهو لا يملك غير انتاج كائنات حية بغض النظر عن مآلات هذه الكائنات. على سبيل المثال أعلنت منظمة الصحة العالمية عن ارتفاع نسبة الانجاب بين اللاجئين في المعسكرات رغم ما يعانيه هؤلاء من الفقر وانعدام الأمان الذاتي والمالي. وربما كان الانجاب تعويضا ما عن ذلك النقص في شعورهم بانسانياتهم. وغالبا ما ترتفع نسب الانجاب في معسكرات النازحين ومخيماتهم. رغم أن المنظمات الدولية توزع عليهم ما قد يحول دون الانجاب لكنهم يرفضون -في الغالب- اللجوء الى وسائل تحديد النسل.
وأنا لا زلت جالسا أشرب الشاي يمر بي عشرات من الصبية المتسولين ؛ هؤلاء أيضا تم انجابهم ليس لهدف عظيم وانما لمجرد اشباع البواعث البدائية فقط دون اكتراث لكون هذا الصبي سيعمل متسولا ثم يتطور لنشال ثم للص ثم مجرم ثم يتعفن داخل السجون أو يموت حتف أنفه في مجاري الصرف الصحي أو يخدمه الحظ على نحو استثنائي جدا فيجد فرصة تنتشله من وهدة الفشل. والاستثناء لا يقاس عليه.
تميل الطبقات الدنيا دائما إلى البحث عن كينونتها من خلال اشباع البواعث الفسيولوجية الجسدية. وهي تفعل ذلك غالبا لأنها لا تملك من السقف المعرفي ما يدفعها إلى الارتقاء نحو اشباع البواعث غير المادية ؛ فسنجد مثلا أن أفلاطون قال بأن أسمى أنواع الحب هو حب المعرفة ، كما أنه حتى بعض فلسفات اللذة مالت الى تطوير اللذة المعرفية أي الانتماء للأقلية القليلة التي أحدثت فوارق عظيمة للبشرية. وكلما زاد الوعي الانساني مال إلى جانب تحديد النسل كإشباع للغريزة الحيوانية والتي تندفع تجاه حفظ السلالة والنوع.
ما يجب أن نلتفت له ؛ هو أن المجتمعات البدائية ونسبة لكونها لا تعرف سوى الاشباع المادي للغرائز والبواعث فإن ذلك يلقي بها في شعور عارم بالعدمية. فهي تدرك في عقلها الباطن أن المتع مؤقتة وأن الموت سبيل حتمي وأن كل ما تفعله لا قيمة له ولذلك فهي تلجأ الى وسيلة تعويضية تتمسك بها تمسك الغريق بالقشة ؛ ألا وهي الدين. يمثل الدين الجانب المنير في المجتمعات البدائية والتي تبدو ممارستها الروتينية لعمليات الاشباع شديدة الرتابة ، وعموما فالرتابة تفضي بدورها إلى التساؤل عن الجدوى ، والتساؤل عن الجدوى إن لم يجد إجابة يلقي بالمرء إلى الكآبة أو الانتحار. ولذلك فالدين يمنحهم إجابة واضحة -بغض النظر عن منطقية هذه الإجابة- فسواء كان محل الدين بقرة أو قرد أو انسان أو حجر أو لا شيء- فالمهم أنه يمنحهم إجابة ، وهم بدورهم يتمسكون بتلك الإجابة. لذلك يمثل وجود المرء بلا دين عريا فاضحا لدى المجتمعات البدائية. فبلا دين لا يمكن تصور أي قيمة للانسان. وبلا دين لا تكون الأخلاق. وبلا دين لا يمكن الصبر على الكوارث والمصائب وبلا دين (لا يكون لاشباع الغرائز الدنيا أي معنى). وحينها فعلى المرء أن يحفر قبره ويرقد عليه منتظرا الموت. ليس هذا فحسب فكل ما أنجزته الأقلية الذكية من علوم وفنون وفلسفات لا قيمة له. فاينشتاين في النار وسقراط في النار وبلانك في النار والفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم من العلماء والفلاسفة في النار....هنا تكون النار تعويضا نفسيا لدى الطبقات الدنيا عن عدميتها الوجودية. فالفقر والجهل والمرض ليسوا بذي أهمية ما دامت هناك جنة ، حيث يفتح الفردوس الأعلى أبوابه لهم. واذا كان اينشتاين في النار والمؤمن في الجنة حتى لو كان متسولا أو نشالا فما هي قيمة المعرفة إذن؟. العقل الباطن يدفع بالمجتمعات الدنيا إلى تسفيه المعارف والفنون والآداب والفلسفات في مقابل الجهالة والأمية والفقر التي ستحسم المعركة لصالحها في النهاية. أعني بالنهاية (ما بعد الموت).
إن الشاب الذي طرح ذلك السؤال على صديقه هو جزء من العقل الجمعي لشعبنا ، وهو يعكس من ذلك السؤال الصغير والبسيط كيف أننا لا زلنا مجتمعات أقل انتاجا مما يجب ؛ أي انتاجا علميا وفلسفيا وفنيا وأدبيا. وأننا لا زلنا نحوم حول تخوم الاشباع الحسي فقط. ولا أدل على ذلك من الصراع المستمر منذ الاستقلال وما قبل الاستقلال حول السلطة والثروة وليس حول الانتاج المعرفي. ففي الوقت الذي سنجد فيه رئيسا في أوروبا يقود دراجته ليتنقل بها من منزله إلى محل عمله سنجد جلابي أو تاجر مواشي يهتم كثيرا بأن يكون طول عمامته أكثر من عشرة أمتار. وفي الوقت الذي تعمل فيه الشعوب المتمدينة طوال ساعات الدوام الرسمي سنجد أن الانسان عندنا يميل إلى البحث عن الثراء السريع عبر ارتكاب الجرائم أو عبر الانقلاب على السلطة السياسية أو مزاحمتها دون أن يطرح أي مشروع انتاجي قومي ضخم للشعب والدولة. وفي حين نرى ونشاهد المحاصصات منذ الاستقلال تتم بين أصحاب الطموحات ممن لا مهنة لهم سوى الارتزاق بالشعارات الرنانة فإن المجتمعات المتمدينة تميل إلى الزهد في المناصب وإلى ممارسة التنافس الشريف والهادئ والذي يسعي لغاية واحدة وهي تحقيق مشروع قومي يخدم تلك الشعوب.
إن الشعب السوداني شعب ظل مرتكزا على فكرة حب الأضواء ، والحقيقة أن كل الأضواء التي تقاتل وتناحر السياسيون فيما بينهم لتسلط فوق رؤوسهم كانت أضواء رمادية كئيبة وكانت بطولاتهم الورقية لا تخدم سوى مصالحهم الشخصية. لا زلنا مجتمعا يحب البوبار والتفاخر بالإطالة في البنيان وكثرة الانجاب والتناقض المفجع بين الدنيوي والزمني.

شارك بتعليقك على صحفتنا في تويتر
PropellerAds
...

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 55
.
Propellerads

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 55


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google


د. امل الكردفاني
د. امل الكردفاني

تقييم
0.00/10 (0 صوت)